محمد أبو زهرة

1317

زهرة التفاسير

للنفس ، وما كان يتخذ ذلك شريعة تتبع بل اتخذه علاجا شخصيا لجسمه أو لنفسه ، ولقد قال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « من الإسراف أن تأكل كل ما تشته » . هذا هو التخريج الأول . أما التخريج الثاني فإن مقتضاه أن بني إسرائيل هم الذين حرّموا بعض الأطعمة على أنفسهم كما كان العرب يحرمون على أنفسهم بعض أنواع الأطعمة ، كتحريم البحيرة « 1 » ونحوها مما نعاه القرآن الكريم عليهم . ولعل القبيل كان يحرم على نفسه الإبل مثلا تقليدا ليعقوب فيما لا يجب التقليد فيه . ولكنهم ادّعوا أن تحريمهم لبعض الأطعمة التي لم يحرمها اللّه تعالى عليهم كان في التوراة منسوبا لإبراهيم ، ولذلك تحداهم اللّه سبحانه وتعالى بقوله : قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فَاتْلُوها إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ الخطاب للنبي صلى اللّه عليه وسلم ، وهو تكليف منه تعالت قدرته بأن يطلب إليهم أن يأتوا بالتوراة ليبيّنوا النص الذي كان به التحريم أهو يدل على أنه كان قبل التوراة أم كان بعدها ؟ ، وأيدخل في عموم التحريم تحريم لحوم الإبل وألبانها ؟ و « الفاء » في قوله : فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ هي التي تسمى فاء الإفصاح ، وهي تفصح عن شرط مقدر ، أي إذا كانت دعواكم تحريم الإبل في شريعة إبراهيم وقبل التوراة فأتوا بها أي أحضروها ، و « الفاء » في قوله : فَاتْلُوها فاء العطف ، أي فأحضروها ، واتلوها عقب إحضارها ، وتلاوتها أي قراءتها بإمعان ، وتبين التحدي في قوله تعالى : إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ والتعبير ب « إن » للإشارة إلى عدم صدقهم ؛ لأنها تدل على الشك في الشرط ، وعدم ترتب الجواب عليه ، أي هم ليسوا صادقين فيما يدّعون ، ولذلك لا يتلون ولا يقرءون . والمؤدّى : أنكم لو جئتم بها وأمعنتم في تفهمها ، لكذّبتكم ولأثبتت افتراءكم على اللّه سبحانه وتعالى ، وإن من افترى الكذب على اللّه تعالى ظالم لنفسه وللناس ، ولذا قال تعالى بعد ذلك :

--> ( 1 ) البحيرة ابنة السائبة ، والسائبة هي الناقة التي كانت تسيّب في الجاهلية لنذر أو نحوه . الصحاح .